ثقافة من عمالقة التاريخ.. نساء تونس نساء ونصف
منذ ثلاثة آلاف سنة لعبت المرأة التونسية أدوارا هامّة على غرار عليسة التي اسست قرطاج، والكاهنة التي قادت جيوشا لحماية بلادها، وسيدة الصنهاجية التي حكمت البلد، والسيدة المنوبية الامرأة الخيّرة وحاملة لقب «قطب الأقطاب»، وعزيزة عثمانة التي موّلت بناء مستشفى وسهرت على بنائه في القرن 17، ومنوبية ورتاني التي رفعت من فوق رأسها الحجاب سنة 1924 وبشيرة بن مراد التي أسست سنة 1936 أول جمعية نسائية وطالبت بالمساواة السياسية بين المرأة والرّجل، وتوحيدة بن الشيخ اول طبيبة تونسية سنة 1936، وعلجية الجديدي التي قادت الحركة الاحتجاجية سنة 2008 في ولاية قفصة، ونساء أخريات عمالقة لم يتحدث عنهنّ التاريخ الذي كتبه الذكور..
في هذا الإطار ننشر نبذة من المعلومات عن حياة بعض المناضلات اللاّئي تجاهلنّ التاريخ وقد استقيناها من كتاب «ما دام في الثورة التونسية نساء» للإعلامي المنصف بن مراد والذي نشرته Simpact Edition لصاحبها ناصر الجلجلي..
خديجة طبال
ولدت خديجة طبال بالعاصمة سنة 1925 وكانت من أشجع النساء في نضالها وتضحياتها. وقع سجنها ونفيها إلى رمادة. نظمت الكثير من المظاهرات في عدد من المدن التونسية وكانت لها شجاعة فائقة. بعد الاستقلال عملت كممرضة. وبقيت صورة المناضلة ترافقها إلى أن توفيت سنة 1995.
أصيلة تاجروين ذاقت أبشع ما يمكن أن يقترفه جنود الاحتلال ضدّ المرأة اذ تعرضت للاغتصاب من قبل عسكري فرنسي جرّها من شعرها قائلا: «هذه لا يمكن أن تكون عربية بعينيها الزرقاوين»، وإزاء مقاومتها ضربها أحد الجنود بمؤخرة بندقيته على وجهها وساقها..
آمنة براهم
استشهدت المناضلة آمنة براهم يوم 23 جانفي 1952 أثناء مشاركتها في ما يعرف بـ«معركة طبلبة» ضدّ المستعمر والتي اجتمعت فيها حشود غفيرة من الرجال المكبرة والنساء المزغردات قصد تشجيع المقاومين الأبطال.
ويبدو أنّ المناضلة آمنة براهم افتكت يوم استشهادها سلاحا كان يحمله شقيقها، إلا أنّ أحد الجنود تفطنّ إليها واستهدفها برصاصة أردتها شهيدة.
شريفة المسعدي
هي أوّل امرأة نقابية تنضم الى الاتحاد العام التونسي للشغل وزوجة الأديب والمناضل محمود المسعدي. وقع انتخابها في الهيئة المديرة لاتحاد الشغل سنة 1949. شاركت في الحركة الوطنية وتنظيم الاضرابات فوقع نفيها إلى قبلي ثم بنزرت وإلى الجنوب. من أبرز نساء تونس. امرأة من فولاذ على الصعيد النقابي والسياسي والتعليمي.
ولدت سنة 1910 في المطوية في محيط عائلي شعبي. انتقلت سنة 1930 للعاصمة وانضمت إلى الحزب الدستوري سنة 1935. كونت الشبيبة النسائية وتنقلت إلى بنزرت وإلى عدد من المدن الأخرى للحث على المظاهرات. وقع سجنها عديد المرات، لكنّها لم ترم المنديل وكانت نموذجا في الشجاعة والوطنية.
مبروكة دراويل
ولدت مبروكة دراويل سنة 1912 في قبلي التي كانت في ذلك الزمن منطقة عسكرية. ساهمت في المظاهرات رغم اضطهاد الجيش الفرنسي «الذي عمل في الجنوب شرّ الشعف». ولم يمنعها تعرضها إلى الضرب والإهانة والترويع والسجن من الصمود بمعية نساء قبلي اللاتي أعنّ الفلاقة وساهمن في الحركة الوطنية.
مجيدة بوليلة
ولدت المناضلة مجيدة بوليلة في 13 نوفمبر 1931 بصفاقس وتوفيت سنة 1952. نشأت في وسط له صلة بالزعماء منهم الهادي شاكر وغيره... بادرت مجيدة بتأسيس «كتّاب» قرب الناصرية سنة 1949 لنشر التعليم ومحو الأمية.
عملت على ربط الصلة بين هذه المدرسة ومثيلاتها ومع فرع الاتحاد النسائي الإسلامي بصفاقس برئاسة السيدة ليليا الحجري الأمر الذي أثمر بعث شعبة نسائية دستورية سنة 1949، وهي أول شعبة نسائية نظامية في الإيالة التونسية. لم تقتصر مشاركتها على النضال السياسي بل تركزت على توعية المرأة وتثقيفها... وفي ليلة من ليالي 1952 داهمت الشرطة الفرنسية منزلها وأوقفتها وهي حامل بابنتها الثانية. سُجنت في معتقل بمدينة تبرسق وذاقت الأمرين لكنّها صمدت الى أن داهمها المخاض فنقلت الى المستشفى الجهوي بصفاقس أين توفيت فيه بعد الولادة.
فطومة النملة
ولدت فطومة النملة بصفاقس في 3 أوت 1935 ونشأت في بيت عرف بالحس الوطني. وفي أواخر الأربعينات تعرفت فطومة على المسؤولين في الاتحاد النسائي الاسلامي وعلى مجيدة بوليلة ممّا أثمر تأسيس شعبة نسائية. وفي فترة الكفاح التحريري كانت المناضلة من بين المساهمات في تنظيم المظاهرات والاجتماعات وإلقاء الخطب الحماسية وجمع الإعانات للمساجين وعائلاتهم والتشجيع على الكفاح السري مع رجال المقاومة وهو ما عرضها لانتهاكات كبيرة وتسبب في دخولها الى السّجن والتعرض الى شتى أنواع التعذيب.. وبمناسبة دفن الشهيد الهادي شاكر حضرت الجنازة مع ثلة من النساء متحدية التقاليد...كانت امرأة شجاعة وتلقائية قّل ما وجد مثلها.. وقد كانت رفيقة زوجها النقابي الحاج محمد الدامي الذي سجن سنة 1978 وذاقت الأمرين وهي تدافع عنه بكلّ شراسة.
شريفة فياش
ولدت شريفة فياش بالمطوية سنة 1906 وانتقلت سنة 1930 الى العاصمة.. شاركت في مظاهرة 9 أفريل 1938 ثم روّجت بطاقات الحزب ومناشيره وحضرت الاجتماعات وتنقلت لبعض المدن منها باجة أين ساهمت في مظاهرة 1952 بمساعدة زوجها.. كانت تتمتع بشجاعة فائقة في كل المظاهرات وتدعو لمشاركة المرأة في الحياة السياسية والاجتماعية.. وفي سنة 1958 تعرضت الى رصاصة اخترقت خدها الأيمن وأسقطت جميع أسنانها وفي نفس السنة وقع انتخابها في المكتب التنفيدي للاتحاد النسائى فركزت عديد الفروع النسائية وقد مكنها الرئيس بورقيبة من بطاقة دخول لقصر قرطاج دون إذن لكنّها عادت الى مسقط رأسها المطوية إلى أن توفيت سنة 1994. امرأة شجاعة قلّ ما وجد مثلها.
رفيعة برناز
من كبار وجوه المقاومة ولدت سنة 1922 بحمام الأنف وساهمت مع زكية باي في الأعمال الخيرية ثمّ انضمت للمقاومة المسلحة ضد الاستعمار الفرنسي وذلك بإخفاء وإيصال الأسلحة للمقاومين.. وقع القبض عليها من قبل الشرطة وحكم عليها بسنتين سجنا أمضت منهما سنة في سجن 9 أفريل... لم تتنكر لأفكارها ولمبادئها ولحبها للوطن فصمدت.. وكانت نموذجا ومثالا في الوطنية والشجاعة والتضحية.. وبعد الاستقلال وبما أنّها كانت صديقة زكية ابنة الباي تنكر لها بورقيبة وأخرجها من منزلها هي وعائلتها رغم أنّها كانت من أبرز النساء المناضلات في تاريخ تونس المعاصر.. توفيت سنة 2011.